الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فموقع قوله : وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً بمنزلة التعليل لتعليق مجيء الفتح على أن تَسْتَفْتِحُوا المشعر بأن النصر غير مضمون الحصول إلّا إذا استنصروا باللّه تعالى وجملة وَلَوْ كَثُرَتْ في موضع الحال ، و لَوْ اتصالية ، وصاحب الحال متصف بضد مضمونها ، أي : ولو كثرت فكيف وفئتكم قليلة ، وعلى هذا الوجه يكون في قوله : وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إظهار في مقام الإضمار ، لأن مقتضى الظاهر أن يقال : وإن اللّه معكم ، فعدل إلى الاسم الظاهر للإيماء إلى أن سبب عناية اللّه بهم هو إيمانهم . فهذان تفسيران للآية والوجدان يكون كلاهما مرادا . والفتح حقيقته إزالة شيء مجعول حاجزا دون شيء آخر ، حفظا له من الضياع أو الافتكاك والسرقة ، فالجدار حاجز ، والباب حاجز ، والسد حاجز ، والصندوق حاجز ، والعدل تجعل فيه الثياب والمتاع حاجز ، فإذا أزيل الحاجز أو فرج فيه فرجة يسلك منها إلى المحجوز سميت تلك الإزالة فتحا ، وذلك هو المعنى الحقيقي ، إذ هو المعنى الذي لا يخلو عن اعتباره جميع استعمال مادة الفتح وهو بهذا المعنى يستعار لإعطاء الشيء العزيز النوال استعارة مفردة أو تمثيلية وقد تقدم عند قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 44 ] وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ الآية في سورة الأعراف [ 96 ] فالاستفتاح هنا طلب الفتح أي النصر ، والمعنى إن تستنصروا اللّه فقد جاءكم النصر . وكثر إطلاق الفتح على حلول قوم بأرض أو بلد غيرهم في حرب أو غارة ، وعلى النصر ، وعلى الحكم ، وعلى معان أخر ، على وجه المجاز أو الكناية وقوله : وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وقرأه نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، بفتح همزة إِنْ على تقدير لام التعليل عطفا على قوله : وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 18 ] . وقرأه الباقون بكسر الهمزة ، فهو تذييل للآية في معنى التعليل ، لأن التذييل لما فيه من العموم يصلح لإفادة تعليل المذيّل ، لأنه بمنزلة المقدمة الكبرى للمقدمة الصغرى . [ 20 - 23 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 20 إلى 23 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 )